د. محمد حسين الدلال

دار مؤخراً جدل كبير بشأن تطبيق قانون منع الاختلاط في جامعة الكويت، وهذا الخلاف ليس بجديد، بل هو خلاف قديم، تتداخل حين الخوض فيه العديد من الاعتبارات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ولست هنا في محل نقاش الأمر، فهو موضوع مكرر، وسبق أن تم بحثه ونقاشه، وقد حسم بقانون صادر في عام 1996 بشأن تنظيم التعليم المشترك أو الاختلاط في الجامعات الحكومية، ولكن المؤسف والمحزن تلك الممارسات والسلوكيات السلبية، التي تصاحب أجواء نقاش الموضوع وقت طرحه وإثارته، من خلال قيام البعض بقذف المخالف لهم بالرأي بأشنع الألفاظ والعبارات القاسية، فمن هو مؤيد لمنع الاختلاط في التعليم يطلق عليه من البعض وصف الظلامي أو القندهاري، ومن يؤيد الاختلاط يصفه البعض الآخر بأنه منحل أو علماني، وتلك الإطلاقات تعكس رؤية قاصرة عند البعض لطبيعة التعامل مع قضايا الوطن، أو الأسس التي نتناول فيها بالاختلاف القضايا الفكرية والاجتماعية والسياسية، وتكشف عن تراجع حضاري وقيمي عند البعض، وتؤكد تلك السلوكيات أن ادعاء البعض التمسّك بأخلاقيات العلمانية أو الليبرالية باحترام الآخر المخالف من جانب، أو ادعاء البعض الآخر التمسك بحسن الخلق من خلال المجادلة بالتي هي أحسن وفقاً للمبادئ الإسلامية، ما هي لدى الطرفين إلا شعارات لا قيمة لها عند التطبيق العملي للرأي والرأي الآخر.
مهم جداً أن ننتبه الى ضرورة عدم انجرارنا الى معارك وخلافات سياسية أو اجتماعية تخل بنسيجنا الاجتماعي ووحدتنا الوطنية، ومن الأهمية أن نعمل على تأهيل أنفسنا لاحترام الآخر، ولو كان مخالفاً لنا في الرأي، وأن تتم نقاشاتنا وحواراتنا بعيداً عن القذف والتشهير والإساءة والتخوين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره..»، وتتبع ذلك ضرورة أن تتم نقاشاتنا في ظل الأطر القانونية، وفي مجالات ومساحات تسمح بأن تكون منتجة ومفيدة وصالحة لمجتمعنا.
لقد دار في خلدي أثناء كتابتي لهذا المقال مدى الإنجاز الممكن تحقيقه لو كانت كافة الجهود والطاقات التي استنزفت في الخلاف القائم وجهت بصورة جماعية من كل الأطراف المختلفة وبالحماس ذاته، وبروح من التعاون والتوافق من أجل تطوير التعليم والنهوض به، لكان الإنجاز عظيماً وكبيراً، ولكان الوطن وجميع أفراده، مهما كانت اختلافاتهم، فائزين ورابحين.
أمن سيبراني
قيل إن الحضارة الإنسانية في الخمسين أو السبعين عاماً الماضية قد تطورت تكنولوجياً وصناعياً ومدنياً بشكل هائل فاق كل التطورات الإنسانية والحضارية والتكنولوجية من بداية الخليقة منذ آلاف السنين، ويتوقع بل يتنبأ العلماء بأن التقدم خلال العقود الثلاثة المقبلة من الزمان بصورة عامة، والتقدم التكنولوجي فيها بصفة خاصة، سيفوق ما سبق من أزمنة بمراحل كبيرة جداً، ويؤكد العديد من العلماء والباحثين أن هذا التقدم التكنولوجي بصفة خاصة سيمنح الإنسان ميزات وأفضلية في حياته.
وفي المقابل، سيولد هذا التقدم تحديات ومخاطر كبيرة قد تسبب الإضرار بالإنسان والحياة الاجتماعية، أو تسهم في الإخلال بالاستقرار والأمن النسبي الذي عاشته الدول والمجتمعات البشرية منذ أكثر من قرن من الزمان.
لم يكن الاختراق الإلكتروني الذي تم في وزارتي المالية والتجارة منذ أيام قليلة، وعمليات أخرى من الاختراق والعبث الإلكتروني قبل ذلك على عدد من المؤسسات الحكومية، والتجاوزات التي تمس خصوصيات الأفراد من حسابات بنكية أو هواتف نقالة، أو اختراقات لحسابات الأفراد في برامج التواصل الاجتماعي، إلا نماذج صغيرة من السلبيات المحتملة للتقدم التكنولوجي، والتساؤل الأكبر متعلق بشأن مقدار الضرر المحتمل في حال مساس تلك التجاوزات الإلكترونية بمصالح الدولة الرئيسة من إدارة وإنتاج النفط، أو الكهرباء، أو الماء، أو إدارة المطارات، أو أنظمة اتصالات، أو تجاوز المعلومات ذات الطبيعة الخاصة والمرتبطة بأسرار الدولة ومصالحها، وماذا لو تم الاختراق بفعل دول ومنظمات ذات طبيعة دولية تسعى إلى إيقاع الضرر على الدولة واستقرارها وأمنها ومصالحها.
سعدت باهتمام بعض المسؤولين في الحكومة، وبعض أعضاء مجلس الأمة بمجال الأمن السيبراني، إلا أن هذا الاهتمام يجب ألا يكون وقتياً وردة فعل على بعض التجاوزات الواقعة، بل يجب ان يتطور الاهتمام الى بناء إستراتيجية وطنية متكاملة تشمل كيفية التعامل مع التكنولوجيا وصور تقدمها، والآليات التي تضمن تفوق وطني في فهم هذا المجال العلمي والتكنولوجي، وتشمل أيضاً الإستراتيجية مواجهة سلبيات التقدم التكنولوجي أو تجاوزات الأمن السيبراني، ومطلوب ألا تقتصر مسؤولية الاهتمام الاستراتيجي للأمن السيبراني على الجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات، وان كانت لهم الصدارة في الأمر، إلا أنه يتطلب أن يكون هذا الدور الحيوي أيضاً ضمن مهام الجهاز المقترح قيامه، والمعني بإدارة الأزمات والمخاطر، والذي طال انتظار قيامه.
